ابن الجوزي

226

زاد المسير في علم التفسير

فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ( 17 ) ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ( 18 ) قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) وقرأ ابن عامر ، وأهل الكوفة إلا عاصما " ولكن الله قتلهم " " ولكن الله رمى " بتخفيف النون ورفع اسم الله فيهما . وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون : قتلنا وقتلنا ، هذا معنى قول مجاهد . فأما قوله [ تعالى ] : ( وما رميت إذ رميت ) ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال : أحدها : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي : ناولني كفا من حصباء ، فناوله ، فرمى به في وجوه القوم ، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة " . وقيل : أخذ قبضة من تراب ، فرمى بها ، وقال : " شاهت الوجوه " ، فما بقي مشرك إلا شغل بعينه يعالج التراب الذي فيها ، فنزلت ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وذلك يوم بدر ، هذا قول الأكثرين . وقال ابن الأنباري : وتأويل شاهت : قبحت ، يقال : شاه وجهه يشوه شوهد وشوهة ، ويقال : رجل أشوه ، وامرأة شوهاء : إذا كانا قبيحين . والثاني : أن أبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريده ، فاعترض له رجال من المؤمنين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلوا سبيله ، وطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربته ، فسقط أبي عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دم ، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور ، فقالوا : إنما هو خدش ، فقال : والذي نفسي بيده ، لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا أجمعون ، فمات قبل أن يقدم مكة ، فنزلت هذه الآية ، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه . والثالث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم ، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه ، فنزلت هذه الآية ، ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين . قوله تعالى : ( ولكن الله قتلهم ) اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على أربعة أقوال : أحدها : أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم . والثاني : أنه أضاف القتل إليه لأنه تولى نصرهم . والثالث : لأنه ساقهم إلى المؤمنين ، وأمكنهم منهم .